محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

175

الآداب الشرعية والمنح المرعية

والسهو والتقلل ، ويدوم على المآكل الردية ، فتجف المعدة وتضيق ، وتقوي السوداء ، وتنصب الأخلاط إلى الكبد والطحال وربما تصاعدت إلى الدماغ فيبس أو فسد الطبع وربما تغير ذهنه فاستوحش من الخلق وحشة يعتقدها أنسا بالحق ، فأعرض عن مجالسة العلماء ظنا منه أن قد بلغ المقصود ، فهذه الأشياء تعكر أولا المطلوب من التعبد فينقطع الإنسان بضعف القوة ويبقى ، معالجا للأمراض فيشتغل الفكر فيها عما هو أهم ، ولقد تخبط في هذا الأمر خلق كثير من الصالحين صحت مقاصدهم وجهلوا الجادة فمشوا في غيرها ، وفي هؤلاء الذين حملوا على أنفسهم من عاجلة المرض والموت ، وفيهم من رجع القهقري ، ومنهم من تخبط فلا من هؤلاء ولا من هؤلاء فأما العلماء الفهماء فإنهم على قانون الحكمة سبيل العلم ، فإياك أن تعرض عن الجادة السليمة ، واحذر من الاقتداء بجهال المتصوفة والمتزهدين الذين تركوا الدنيا على زعمهم ، فالصادق منهم في تركها عامل بواقعه لا بالعلم والمبهرج منهم خسر الدنيا والآخرة . ومن جهل هؤلاء أنهم لو رأوا عاملا يرفق بنفسه عابوه ، ولو رأوا عليه قميص كتان قال زاهدهم : هذا ما يعمل بعلمه ؟ ولو رأوه راكبا فرسا قالوا : هذا جبار فإياك أن تحملك وثبة عزم على أن تروم ما لا تناله فتزلق ، وإن نلته أثمر تلفا أو رد إلى وراء ، واستضيء بمصباح العلم ، فإن قل علمك فاقتد بعالم محكم وراع بدنك مراعاة المطية ، وليكن همك تقويم أخلاقك ، والمقصود صدق النية لا تعذيب الأبدان . وأكثر الكلام في هذا المعنى في مواضع وأن الجادة طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال أيضا : أما ترى زهاد زماننا إلا من عصمه الله باتباع السنة يغشاهم أبناء الدنيا والظلمة فلا ينهونهم عما هم فيه إلا بطرف اللسان ؟ أين هؤلاء من سفيان حيث كان لا يكلم من يكلم ظالما ؟ ولو قيل لزهادنا : اخرجوا فاشتروا حاجة من السوق صعب عليهم حفظا لرياستهم كأنهم ما علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشتري حاجته ويحملها بنفسه ، ولو قيل لزهادنا زماننا كلوا معنا لقمة لخافوا من انكسار الجاه - لأن الناس يعتقدون فيهم دوام الصوم وأين هم من معروف ، أصبح يوما صائما فسمع ساقيا يقول : رحم الله من شرب ، فشرب . فقيل له : أما كنت صائما ؟ فقال : بلى ، ولكن رجوت دعوته : أفدي ظباء فلات ما عرفن بها * مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب ولا خرجن من الحمام مائلة * أوراكهن صقيلات العراقيب حسب الحضارة مجلوب بتطرية * وفي البداوة حسن غير مجلوب والله لا يبقى في القيامة إلا الإخلاص ، وقبل القيامة لا يبقى إلا ذكر المخلصين ، كم حول معروف من عالم لا يعرف قبره ، ومن زاهد لا يدرى أين هو ؟ ومعروف معروف بالله عليكم اقبلوا نصحي يا إخواني عاملوا الله سبحانه وتعالى في الباطن حتى لا يدري أنكم أهل